الاثنين، 8 أبريل 2013

عميد الأدب العربي



وُلد في الرابع عشر من شهر نوفمبر سنة 1889، في "عزبة الكيلو" قرب مغاغة، بالصّعيد المصري الأوسط، ونشأ في الريف ضعيف البنية كأنّه "الثُّمامة"، لا يستطيع ما يستطيعه النّاس، ولا ينهض من الأمر لما ينهض له النّاس، ترأف به أمّه دائما وتهمله أحيانا، ويلين له أبوه تارة ويزور عنه طورا، ويشفق عليه إخوته إشفاقا يشوبه احتياط في معاملتهم إيّاه، وشيء من الازدراء.
توفّي في الثّامن والعشرين من شهر أكتوبر سنة 1973 بالقاهرة، وقد استطاع ما لم يستطعه كثير من المبصرين، فتناقلت خبر وفاته العواصم وحزن لفقدانه الأدباء والباحثون والعلماء.
"أخذ العلم بأُذُنَيْه لا بأصابعه" فقهر عاهته قهرا، محروما يكره أن يشعر بالحرمان وأن يُرَى شاكيا متبرّما، جادّا متجلّدا مبتسما للحياة والدّرس والبحث، حتّى انتهى إلى حال العلماء المبَرَّزِينَ ومراتب الأدباء المفكّرين، فشغل النّاس ولن يزال.
فقد بصره طفلا : "اصابه الرّمد فأُهمل أيّاما، ثمّ دُعي الحلاّق فعالجه علاجا ذهب بعينيه". وحفظ القرآن في كُتّاب القرية وهو في التّاسعة، فأصبح "شيخا"، كذا كان أبوه يدعوه، وأمّه، "وسيّدنا" مؤدّب الصّبيان.
وقدم القاهرة سنة 1902 للتعلم في الأزهر، فدخله والقلبُ ممتلئ خشوعا والنّفس ممتلئة إجلالا. وأنفق فيه ثماني سنين لم يظفر في نهايتها بشهادة "العالميّة"، لأن "القوم كانوا مؤتمرين به ليسقطوه" ! نبأ عجيب حمله إليه شيخه سيّد المرصفي ليلة الامتحان، بعد أن صُلِّيَتِ العِشَاءُ... وفارق الأزهر وقد ارابه منه أمر، شديد الضّيق به وبأهله. وخاب أمل أبيه، فلن يرى ابنه من بين علماء الأزهر ولا "صاحب عمود في الأزهر ومن حوله حلقة واسعة بعيدة المدى" وأُتيحتْ للفتى حياة أخرى...
فما إن أُنشئت الجامعة المصريّة (الأهلية) سنة 1908 حتّى انتسب إليها الطّالب الأزهري، ولكنّه ظلّ مقيّدا في سجلاّت الأزهر : وقضى سنتين (1908-1910) يحيا حياة مشتركة، يختلف إلى دروس الازهر مصبحا وإلى دروس الجامعة مُمْسِيًا. وما لبث أن وجد في الجامعة روحا للعلم والبحث جديدة و"طعما للحياة جديدا" فشغف بالدّرس والتّحصيل حتّى نال درجة "العالميّة" (الدكتوراه) سنة 1914 برسالة موضوعها "ذكرى أبي العلاء"، فكانت "أوّل كتاب قُدّم إلى الجامعة، وأوّل كتاب امتُحِنَ بين يدي الجمهور، وأول كتاب نال صاحبه إجازة علميّة منها".
ثمّ سافر الفتى إلى فرنسا لمواصلة التّعلّم، فانتسب إلى جامعة مونبيليى حيث قضّى سنة دراسيّة (1914-1915) ذهب بعدها إلى باريس، وانتسب إلى جامعة السّوربون حيث قضى أربع سنوات (1915-1919). وما كاد يختلف إلى دروس التاريخ والأدب فيها "حتّى أحسّ أنّه لم يكن قد هيّئ لها... وأنّ درسه الطويل في الأزهر وفي الجامعة (المصريّة) لم يهيّئه للانتفاع بهذه الدّروس". فأقبل على قراءة الكتب المقرّرة في المدارس الثانويّة، ولم يجد بدّا من أن يكون "تلميذا ثانويا في بيته وطالبا في السّوربون".
أرسل ليدرس التّاريخ في السّوربون، فما لبث أن أيقن بأنّ الدرجات العلميّة لا تعني شيئا إن هي لم تقم على أساس متين من الثقافة. وليس إلى ذلك من سبيل سوى إعداد "الليسانس". وقد صرّح بذلك في الجزء الثالث من كتاب الأيّام، قال : "كان (الفتى" قد أزمع أن يظفر قبل كل شيء بدرجة "الليسانس" ثم يتقدّم لدرجة الدكتوراه بعد ذلك. ولم يكن الطلاّب المصريون - إلى ذلك الوقت - يحاولون الظفر بدرجة الليسانس هذه، لأنّها كانت تكلّف الذين يطلبونها عناء ثقيلا".
وأحرز طه حسين درجة "الليسانس في التّاريخ" سنة 1917، فكان أوّل طالب مصري ظفر بهذه الشهادة من كليّة الآداب بالجامعة الفرنسيّة.
إنّ أمر هذا الفتى عَجَبٌ ! فهو قد كان يتهيّأ لامتحان الليسانس ويعدّ في المدّة نفسها رسالة "دكتورا جامعة" باللّغة الفرنسيّة موضوعها : "دراسة تحليليّة نقديّة لفلسفة ابن خلدون الاجتماعيّة" (Etude analytique et critique de la philosophie sociale d'Ibn Khaldoun).
إنّ أمر هذا الفتى عجب ! فهو لم يكد يفرغ من امتحان الدكتوراة حتّى نشط لإعداد رسالة أخرى، فقد صحّ منه العزم على الظفر "بدبلوم الدّراسات العليا" (Diplôme d'Etudes Superieures) وهو شهادة يتهيّأ بها أصحابها للانتساب إلى دروس "التبريز في الآداب". وما هي إلاّ أن أشار عليه أُستاذه بموضوع عسير مُمْتع مرير، وهو : "القضايا التي أقيمت في روما على حكّام الأقاليم الذين أهانوا جلال الشّعب الرّوماني، في عهد تباريوس، كما صوّرها المؤرّخ تاسيت" (La loi de lèse-majesté, sous Tibère, d'après Tacite) فقبله الطالب "طائعا قلقا مستخذيا"، ومارسه بالصّبر على مشقّة البحث وبالمثابرة على الفهم حتّى ناقشه ونجح فيه نُجْحًا حسنا سنة 1919.
عاد طه حسين إلى وطنه، فلم تُمهله الجامعة المصريّة وعيّنته مباشرة أستاذا للتاريخ القديم (اليوناني والرّوماني)، فظلّ يُدرّسه طيلة ستّ سنوات كاملات (1919-1925).

بعد اكثر من قرن كامل على ميلاده، و40 عاما على وفاته، ما زال عميد الادب العربي الدكتور طه حسين احد الاركان الاساسية في تكوين العقل العربي المعاصر، وصياغة الحياة الفكرية في العالم العربي، وملمحاً أساسياً من ملامح الادب العربي الحديث... بل ان الاجيال الجديدة من ابناء الامة العربية لا تزال تكتشف جوانب جديدة من القيمة الفكرية والانسانية لاحد رواد حركة التنوير في الفكر العربي... وما زالت اعمال طه حسين ومعاركه الادبية والفكرية من أجل التقدم والتخلي عن الخرافات والخزعبلات التي حاصرت وقيدت العقل العربي لعدة قرون، من اهم الروافد التي يتسلح بها المفكرون العرب في مواجهة الحملات الارتدادية التي تطل برأسها في عصرنا. 
وما زالت السيرة الذاتية لطه حسين وما تجسده من كفاح انساني وفكري مدرسة هامة ما اشد حاجة الاجيال الجديدة للتعلم منها والتأمل فيها. 
من عزبة صغيرة (اصغر من القرية) في صعيد مصر بدأت رحلة طه حسين، فقد ولد عميد الادب العربي في تلك البقعة الصغيرة التي تقع على بعد كيلو متر واحد من مغاغة بمحافظة المنيا في وسط صعيد مصر... كان ذلك في الرابع عشر من نوفمبر عام 1889م، وكان والده حسين علي موظفاً في شركة السكر وانجب ثلاثة عشر ولداً كان سابعهم في الترتيب "طه" الذي اصابه رمد فعالجه الحلاق علاجاً ذهب بعينيه (كما يقول هو عن نفسه في كتاب "الايام"). 
وفي عام 1898 وبينما لم يكن قد اكمل السنوات العشر كان طه حسين قد اتم حفظ القرآن الكريم... وبعد ذلك بأربع سنوات بدأت رحلته الكبرى عندما غادر القاهرة متوجها الى الازهر طلباً للعلم. في عام 1908 بدأت ملامح شخصية طه حسين المتمردة في الظهور حيث بدأ يتبرم بمحاضرات معظم شيوخ الازهر فاقتصر على حضور بعضها فقط مثل درس الشيخ بخيت ودروس الادب... وفي العام ذاته انشئت الجامعة المصرية، فالتحق بها طه حسين وسمع دروس احمد زكي (باشا) في الحضارة الاسلامية واحمد كمال (باشا) في الحضارة المصرية القديمة ودروس الجغرافيا والتاريخ واللغات السامية والفلك والادب والفلسفة على اساتذة مصريين واجانب. 
في تلك الفترة اعد طه حسين رسالته للدكتوراه نوقشت في 15 أيار 1914م. هذه الرسالة (وكانت عن ذكرى ابي العلاء) اول كتاب قدم الى الجامعة واول رسالة دكتوراه منحتها الجامعة المصرية، واول موضوع امتحن بين ايدي الجمهور. 
ومثلما كانت حياته كلها جرأة وشجاعة واثارة للجدل فقد احدث نشر هذه الرسالة في كتاب ضجة هائلة ومواقف متعارضة وصلت الى حد طلب احد نواب البرلمان حرمان طه حسين من حقوق الجامعيين "لأنه الف كتابا فيه الحاد وكفر"!، ولكن سعد زغلول رئيس الجمعية التشريعية آنذاك اقنع النائب بالعدول عن مطالبه. 

                             الرحلة الثانية 

اذا كانت الرحلة الاولى ذات الاثر العميق في حياة طه حسين وفكره هي انتقاله من قريته في الصعيد الى القاهرة... فإن الرحلة الاخرى الاكثر تأثيراً كانت الى فرنسا في عام 1914 حيث التحق بجامعة مونبلييه لكي يبعد عن باريس احد ميادين الحرب العالمية الاولى... وهناك درس اللغة الفرنسية وعلم النفس والادب والتاريخ. ولاسباب مالية اعادت الجامعة المصرية مبعوثيها في العام التالي 1915 لكن في نهاية العام عاد طه حسين الى بعثته ولكن الى باريس هذه المرة حيث التحق بكلية الاداب بجامعة باريس وتلقى دروسه في التاريخ ثم في الاجتماع حيث اعد رسالة اخرى على يد عالم الاجتماع الشهير "اميل دوركايم" وكانت عن موضوع "الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون" حيث اكملها مع "بوجليه" بعد وفاة دوركايم وناقشها وحصل بها على درجة الدكتوراه في عام 1919م ثم حصل في العام ذاته على دبلوم الدراسات العليا في اللغة اللاتينية، وكان قد اقترن في 9 اغسطس 1917 بالسيدة سوزان التي سيكون لها اثر ضخم في حياته بعد ذلك. 
في عام 1919 عاد طه حسين الى مصر فعين استاذاً للتاريخ اليوناني والروماني واستمر كذلك حتى عام 1925 حيث تحولت الجامعة المصرية في ذلك العام الى جامعة حكومية وعين طه حسين استاذاً لتاريخ الادب العربي بكلية الآداب. 

                              أولى المعارك 



رغم تمرده على الكثير من اراء اساتذته الا ان معركة طه حسين الاولى والكبرى من اجل التنوير واحترام العقل تفجرت في عام 1926 عندما اصدر كتابه "في الشعر الجاهلي" الذي احدث ضجة هائلة بدأت سياسية قبل ان تكون ادبية. كما رفعت دعوى قضائية ضد طه حسين فأمرت النيابة بسحب الكتاب من منافذ البيع واوقفت توزيعه... ونشبت معارك حامية الوطيس على صفحات الصحف بين مؤيدين ومعارضين لهذا الكتاب. 
وفي عام 1928 وقبل ان تهدأ ضجة كتاب الشعر الجاهلي بشكل نهائي تفجرت الضجة الثانية بتعيينه عميداً لكلية الآداب الامر الذي اثار ازمة سياسية اخرى انتهت بالاتفاق مع طه حسين على الاستقالة فاشترط ان يعين اولاً. وبالفعل عين ليوم واحد ثم قدم الاستقالة في المساء وأعيد "ميشو" الفرنسي عميداً لكلية الآداب، ولكن مع انتهاء عمادة ميشو عام 1930 اختارت الكلية طه حسين عميداً لها ووافق على ذلك وزير المعارف الذي لم يستمر في منصبه سوى يومين بعد هذه الموافقة وطلب منه الاستقالة. 


                           الازمة الكبرى

وفي عام 1932 حدثت الازمة الكبرى في مجرى حياة طه حسين... ففي شباط 1932 كانت الحكومة ترغب في منح الدكتوراه الفخرية من كلية الآداب لبعض السياسيين... فرفض طه حسين حفاظاً على مكانة الدرجة العلمية، مما اضطر الحكومة الى اللجوء لكلية الحقوق...
ورداً على ذلك قرر وزير المعارف نقل طه حسين الى ديوان الوزارة فرفض العمل وتابع الحملة في الصحف والجامعة كما رفض تسوية الازمة الا بعد اعادته الى عمله وتدخل رئيس الوزراء فأحاله الى التقاعد في 29 آذار 1932 فلزم بيته ومارس الكتابة في بعض الصحف الى ان اشترى امتياز جريدة "الوادي" وتولى الاشراف على تحريرها، ثم عاد الى الجامعة في نهاية عام 1934 وبعدها بعامين عاد عميداً لكلية الاداب واستمر حتى عام 1939 عندما انتدب مراقباً للثقافة في وزارة المعارف حتى عام .1942
ولأن حياته الوظيفية كانت دائماً جزءاً من الحياة السياسية في مصر صعوداً وهبوطاً فقد كان تسلم حزب الوفد للحكم في 4 شباط 1942 ايذاناً بتغير آخر في حياته الوظيفية حيث انتدبه نجيب الهلالي وزير المعارف آنذاك مستشاراً فنياً له ثم مديراً لجامعة الاسكندرية حتى احيل على التقاعد في 16 تشرين الاول 1944 واستمر كذلك حتى 13 حزيران 1950 عندما عين لاول مرة وزيراً للمعارف في الحكومة الوفدية التي استمرت حتى 26 حزيران 1952 وهو يوم احراق القاهرة حيث تم حل الحكومة.
وكانت تلك آخر المهام الحكومية التي تولاها طه حسين حيث انصرف بعد ذلك وحتى وفاته عام 1973 الى الانتاج الفكري والنشاط في العديد من المجامع العلمية التي كان عضواً بها داخل مصر وخارجها.


منقول: http://forum.rewech.com/showthread.php?t=16578

الأحد، 17 مارس 2013

ماذا تراني فاعلاً ؟؟؟






ماذا تراني فاعلاً مقبلاً أم مدبرا

الأمر صعب جلل وليس لي مرشدا


أين الطريق الذي يرسل إلي العلا


يرسلني أنا .. أليس لي من مني


أن أري بسمتي قد ملأت الدنا


وأري فرحتي قد طارت إلي العدا


من ذا الذي يروي ظمأ عطشانا


إلي نور الحياة يكن له الشكر عرفانا



******


شخص ضعيف أنا ضاقت بي الدنيا


أرجو السلامة فقط من هذه البلوي


ليس لي حيلة تحمل لي البشري


أو تكسر الإحباط الذي قد مزق النشوي


الجمعة، 18 يناير 2013

أنا .. والقهوة .. وهواك



القهوة التي أتحدث عنها هي القهوة الشعبية المصرية وليست " الكوفي الشوب" الهاديء المكيف الذي يذهب إليه أولاد الناس لأن به "wireless", ليست هذه طبعاً. إنما المقصودة هي تلك القهوة البلدي التي يضج فيها الناس بالحديث الصاخب من كل اتجاه من انحائها. أبحث عن كرسي فارغ بصعوبة وأسرع للجلوس عليه قبل أن يجلس عليه شاب أخر . أتطلع إلي النادل فلا أجده كالعادة فهو مشغول ذهاباً وإياباً لإحضار الطلبات. أسمعه من خلفي يقول " وعندك واحد شاي علي بسطة" ألحقه بسرعة قبل أن يختفي مرة أخري " قهوة مظبوط لو سمحت". نعم أنا من محبي القهوة ليست لحلاوتها وإنما نظراً لما يقولون عنها من أنها تزيد التركيز والإنتباه لذلك العالم الخارجي العجيب. الجو من حولي رائع , كثير من الشباب ملتفين حول التليفزيون يتابعون مباراة ريال مدريد وتشيلسي في نهائيات دوري أبطال أوروبا. يصل النادل بالقهوة فيعلو صوت عصام الشوال معلناً عن هدف لتشيلسي الإنجليزي. الشباب يأتون جماعات كل شلة تجلس علي طاولة مستديرة بعضهم يلعب الشطرنج بينما كبار السن يفضلون لعب "الطاولة" وهم يدخنون الشيشة. أحب دخان الشيشة في الحقيقة خصوصاً تلك التي بنكهة التفاح والتي يفضلها الشباب. أحب أن أنظر إليهم وهم يدخنونها وتشعشع أنفي برائحتها الخلابة. أشرب القهوة كما يشرب الناس البيبسي فأنا أشربها بسرعة علي خلاف المعتاد والمستقر عليه في كتاب " دليل شرب القهوة" . لا أشربها لحلاوتها فهي مرة وإنما نظراً لما يقولون عنها من أنها تزيد التركيز والإنتباه. 

الأربعاء، 9 يناير 2013

رواية الأفيون - مصطفي محمود




هناك مليون شيء وشيءء في هذه الدنيا لا نعلمة ولكن جهلنا لا يمكن أن يكون عذرا لنمشي في الشوارع نهذي ذلك الهذيان الملتاث
لا بد من عمل ..
لا بد من عمل ..
لا يمكن أن تتوقف الدنيا لمجرد أن هناك أشياء نجهلها 
هذه هى القيمة الأخيرة التى تسعى الرواية لترسيخها
*****
تبدو عبارة كارل ماركس ( الدين أفيون الشعوب ) هى المحور الأساسي في هذا النص، واعتقد أن الكاتب متجردا رأى أن العبارة
 تحمل جانبا من الصحة، وهى ان فهم الدين بشكل معين يجعل منه وسيلة للتسلط على الشعوب واستعبادها كما يمكن بفهم آخر أن يتخذه الناس ذريعة للهروب من مواجهة الواقع، وجانب آخر يفهم سلبيا من العبارة، أن صاحبها يفتقد للآثار الروحية الايجابية للدين.

النص يحمل مقابلة بين النظرية المادية / واقعية والتى يمثلها الأفندى وابراهيم، وتتخذ من الواقع/ المال / اللقمة النضيفة محركا لها ولا تتهيب سرقة الفلاحين كوسليلة لكسب الرزق / الحرام، وأخري صوفية / درويشية يمثلها عبدالمقصود، ويحرك هذه الشخصية سير الأولياء والصالحين / كما وردت في الآثار الباقية فيظهر سيدي الرفاعى والسيد البدوى والممعادل المعاصر بويحي. ويخلص هذا التقابل الى أن التطرف على الجانبين يؤدي لمصير واحد السجن / المورستان.
ويظهر في خلال الاحداث ثم يتصدر المشهد في النهاية النظرة العلمية متمثلة في فتحى الأبن، والذي يتحرك في الرواية بناء على ما يتعلمة في الجامعة، ويذكر فرويد وداروين ويمثلان مصادر المعرفة لدية والذي يحل الاشكال بالعبارة الاخيرة التى تختتم بها الرواية.

من أجمل ما وجدت في الرواية الصراع والتشابك بين هذه النظرات المختلفة. فمشهد الشاب فتحى الذي يشكو بتورم ذراعة ويفضل الذهاب للدكتور، في حين والده عبد المقصود يصف له لبخة بذر خلنجان هذا التقابل بين نظرة علمية حديثة ومخلفات علوم قديمة / جالينيوس وتذكرة داوود.
وكذلك مشهد الحلم الذي يراه عبد المقصود ويؤرق منامه، وكيف يؤوله الرجل ببشارة المهدة ويؤيده الاب/ الجد. ثم كيف يفسره الشاب فتحى على أنه هلوسه جنسية دالة على طريقة فرويد.

بقلم/ محمد شعبان

الثلاثاء، 8 يناير 2013

حساب سرعة الضوء

  بعد أن حسم العلماء - بعد لأي - قضية محدودية سرعة الضوء، وحدّدوها بما يقل قليلاً عن ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، طفقوا يحاولون حل أحجية أخرى، تتعلق بكيفية انتشار الضوء. ماذا عساه يكون الوسط المسئول عن انتقال الضوء؟! كان العلماء على بيّنة من أن الصوت يمكنه الانتقال عبر أوساط متباينة، فالناس في ثرثرتهم يطلقون الموجات الصوتية لتنتقل عبر الهواء - وهو غاز - والحيتان تغني لبعضها في الماء - وهو سائل - ونحن بوسعنا أن ننصت لصوت اصطكاك أسناننا المنتقل عبر وسط من العظام الصلبة ما بين الأسنان والأذنين.

تجربة أوتو فون جوريك سنة 1657

  وبوسع الضوء أن ينتقل بالمثل خلال الغازات والسوائل والأجسام الصلبة، كالهواء والماء والزجاج. بيد أن هناك فارقا جوهريّا بين انتقال الضوء والصوت، ذلك الفارق الذي أوضحه العالم «أوتو فون جوريك» Otto Von Guericke ضمن سلسلة من التجارب الشهيرة التي أجراها عام 1657 بمدينة ماجدبورج Magdeburg الألمانية.
أفرغ فون جوريك من الهواء آنية زجاجية محتوية على ناقوس يُصدر رنينا. ومع سحب الهواء من داخل الآنية، لم يعد بمقدور الحضور سماع صليل الناقوس، وإن ظل باستطاعتهم رؤية ذراع الناقوس وهي تقرعه. كان من الواضح - تبعا لذلك - عدم إمكانية انتقال الصوت في الفراغ. وفي ذات الوقت، أظهرت التجربة أن بمقدور الضوء أن ينتقل في الفراغ (فالناقوس لم يختف، والآنية لم تُظلمْ). ومادام بوسع الضوء أن ينتقل - على غير المألوف - خلال الفراغ، فهناك شيء ما ينقل الضوء عبره.

                             ميكلسون

 شرع العلماء - حيال هذا التناقض الظّاهري - في التساؤل عما إذا كان الفراغ «خاويًا» تماما، أم أن هناك شيئا آخر متبقيا به، يمثّل الوسط الذي ينقل الضوء؟! وبحلول القرن التاسع عشر، كان الفيزيائيون قد تبنّوا فكرة أن الكون برمّته تتخلله مادة ما، أطلقوا عليها اسم «الأثير» Ether، وأنها - بكيفية ما - تؤدي دور الوسيط الذي يحمل الضوء.
خلع الفيزيائيون على هذا الوسط - وفقًا لتصوراتهم - صفات فريدة. فهو مادة ضئيلة الكثافة بصورة استثنائية؛ فهي أخف من الهواء ملايين الملايين من المرات، بحيث إن ضآلة كثافتها لا تؤهلها لبذل أي مقاومة لحركة أي جسم يمرق خلالها. وهي شفافة، وخاملة من الناحية الكيميائية، وتنعدم معامل الاحتكاك بها. وهي منتشرة حولنا في كل مكان، وإن كان استشعارها من الصعوبة بمكان. وبالرغم من كل هذه العقبات، اعتقد «ألبرت ميكلسون» Albert Michelson، وهو أول أمريكي يحرز جائزة نوبل في الفيزياء، أن بمقدوره إثبات وجود الأثير.

                        أوتو فون جوريك

  كان والدا «ميكلسون» اليهوديان قد لاذا بالفرار من الاضطهاد المسلّط عليهما في بروسيا، وذلك عام 1845 عندما كان «ألبرت» يبلغ من العمر عامين فقط. وقد ترعرع في سان فرانسسكو ودرس بها، قبل أن يمضي ليلتحق بأكاديمية الولايات المتحدة البحرية، حيث تخرج - وكان ترتيبه الخامس والعشرين - ضمن رجال الأسطول البحري، وإن جاء ترتيبه الأول في مادة «ضوئيات»، مما حدا بالمشرف على الأكاديمية لأن يقول له: «لو أنك - مستقبلا - أوليت اهتماما أقل بالأمور العلمية، واهتماما أوفر بشئون المدفعية البحرية، فربما أصبحت ذا نفع لبلادك». على أية حال، فقد تحول «ميكلسون» ليصبح باحثا متفرغا في الضوئيات. وفي سنة 1878 - وهو بعد في الخامسة والعشرين - قدر سرعة الضوء بالمقدار299910 كم/الثانية، وهو الرقم الأدق عشرين مرة من كل التقديرات السابقة له.
بعدئذ، صمم «ميكلسون» في عام 1880 التجربة التي كان يأمل من خلالها في إثبات وجود مادة الأثير الحاملة للضوء. كان جهازه مصمما بحيث يقسم حزمة مفردة من الضوء، إلى شعاعيْن منفصليْن متعامديْن، أحدهما يتحرك في نفس اتّجاه حركة الأرض في الفضاء، في حين يتحرك الآخر في الاتجاه العمودي عليه. كان كلا الشعاعين يذرع نفس المسافة، ثم ينعكس على سطح مرآة. ثم يعود الشعاعان فيتحدان مكوّنيْن شعاعا مفردا. وباندماج الشعاعيْن، تحدث لهما الظاهرة المعروفة «بالتداخل» Interference، التي تتيح لميكلسون أن يقارن بينهما ويتعرف على مدى التباين في زمنيْ انتقالهما.
كان ميكلسون يعرف أن الأرض تتحرك حول الشمس بسرعة خطّية تبلغ نحو 100000 كم/الساعة، وهو ما يعني - افتراضا - أنها تمرق خلال الأثير بنفس هذه السرعة. ولما كان من المفترض أن الأثير وسط ساكن يتخلل كل ما بالكون، فلابد أن يُحدث مرور الأرض به نوعا من «الرياح الأثيرية»، مثل تلك الرياح المتوهمة التي نستشعرها إذ تمرق بنا سيارة مسرعة في يوم غير ذي رياح، فليست هناك رياح حقيقية، وإنما نحن نستشعرها نتيجة تحركنا نحن. من ثم، ومادام الضوء يُحمل ويُنقل بفعل الأثير، فلابد وأن يتأثر بسرعة الرياح الأثيرية. وبتحديد أكثر، لابد أن يتحرك أحد الشعاعين الضوئييْن في تجربة ميكلسون في اتجاه رياح الأثير ثم في عكس اتجاهها، ومن ثم فلابد أن تتأثر سرعته بدرجة محسوسة، في حين أن الشعاع الآخر الذي ينتقل عموديا على الأثير سيتأثر بدرجة أقل. فإذا اختلف زمنا حركة الشعاعيْن، فبمقدور ميكلسون أن يتخذ من هذا التفاوت دليلا قويا يؤيد وجود الأثير.
بحث ميكلسون لتجربته عن أفضل مصادر للضوء، وعن أجود المرايا، واتخذ كل الاحتياطات المتاحة في تصنيع جهازه وتجميعه. وهيّأ كل شيء على أكمل وجه، فضبط منسوب الجهاز واتّجاهه، وصقل المرايا. وإمعانا في زيادة حساسية المعدات والتقليل من الخطأ إلى أدنى حدوده، جعل منظومته تطفو على سطح حوض واسع من الزئبق، بما يعزلها عن أية تأثيرات خارجية، مثل الاهتزازات الناجمة عن وقع أقدام السائرين حتى على مبعدة من جهازه.
كان بيت القصيد في هذه التجربة هو إثبات وجود الأثير، ومع كل ما بذله ميكلسون من احتياطات، فقد دهش غاية الدهشة لإخفاقه المطبق في قياس أي فارق في زمنيْ وصول شعاعيْ الضوء المتعامديْن، أو تلمس أية بادرة على وجود الأثير.
وفي سعيه اليائس لاستكشاف مكمن الخطأ، استعان ميكلسون بالكيميائي «إدوارد مورلي» Edward Morley، فأعادا معا تصنيع الجهاز، مُدخليْن التحسينات على كل مكوّناته بما يكفل للتجربة مزيدا من الدقة والحساسية، وأعادا القياسات مرارًا وتكرارًا. وفي خاتمة المطاف، في عام 1887، وبعد سبع سنوات من التجارب المتكررة، أذاعا نتائجهما النهائية القاطعة: ما من دليل على وجود الأثير.
تقبّل العلماء تلك النتيجة على مضض، فقد كان وجود الأثير هو السبيل الوحيد الممكن تصوّره لتفسير انتقال الضوء. وحتى ميكلسون امتعض، وألفى صعوبة في تقبّل النتائج التي توصّل إليها بنفسه، إذ تفاقمت أزمة انتفاء وجود الأثير أكثر فأكثر، حيث كان من المفترض أنه أيضا المسئول - إلى جانب حمله للضوء - عن حمل كلا المجاليْن الكهربي والمغناطيسي.
وهكذا أثبت ميكلسون - قبل نهاية القرن التاسع عشر - انتفاء وجود الأثير. ومن سخريات القدر أنه - وهو الذي شيد سمعته المهنية على أساس سلسلة كاملة من التجارب الناجحة في مجال الضوئيات - قد حقق فتحه العلمي الأعظم بنتائج تجربة فاشلة. وهكذا كان إخفاق تجربته، أجدى من نجاحها. فقد كان هدفه الأوحد طوال تجاربه هو إثبات وجود الأثير وليس انعدامه. وقد تقبل الفيزيائيون بعدئذ أن بوسع الضوء أن ينتقل - بكيفية ما - في الفراغ، بصرف النظر عن وجود أي وسط.
لقد استلزم إنجاز ميكلسون جهازا مكلفا ذا تصميم خاص، وسنوات من الجهود المضنية. وفي ذات الوقت تقريبا، توصل إلى الخلاصة نفسها عن انعدام وجود الأثير، شاب مراهق بمفرده، دون أن يدري بفتح ميكلسون العلمي، ولكنه لم يتوصّلْ إلى ذلك عن طريق التجريب، وإنما على أساس من الأفكار النظرية المحضة. كان اسم ذلك الفتى.... ألبرت أينشتاين.

بواسطة/ مجلة العربي العلمي



الأربعاء، 2 يناير 2013

في الوقت الضائع - توفيق الحكيم



لحظات الضعف والمرض واحدة من أقسى الفترات التي نمر بها في حياتنا لكنها في ذات الوقت قد تكون محفز إبداعي لأعمق الأفكار، الكتاب محور عرضنا اليوم "في الوقت الضائع" للراحل توفيق الحكيم به عدد من الأفكار التي كتبها أثناء مرضه الأخير أو مرحلة الوقت الإضافي الضائع من حياته كما أطلق عليه هو حيث أنه كان يرى بلغة الكرة أن حياته في الشوط الأخير، وعلى الرغم من أن المنطق يملي عليه أن ينصرف ويغادر الملعب ليقضي وقته المتبقي في نوع من اللعب الذي يختلط فيه الجد بالهزل وينتهي بالإبتسام ليريح نفسه إلا أن القدر ومشيئة الله دفعا به أن ينتهج خطة أخرى لقضاء الوقت الأخير أو الضائع في حياته بين عالم الأفكار والكتابة وذلك عندما دعاه رئيس تحرير الأهرام في ذلك الوقت إبراهيم نافع للإستمرار في الكتابة. 
يقول الحكيم أنه كان على صداقة شخصية مع عزرائيل منذ عام 1945 عندما ترك الخدمة في الحكومة وجلس كعاطل على مقهى "ريتز" حيث أنه كان يفكر في حياته ولا يرى لها معنى، ووقتها طلب الحكيم من عزرائيل أن ينهى حياته في أحد الأيام وكان ثلاثاء....وتخيله في شكل رجل بشري ودار بينهم حديث طويل إستخلص منه الحكيم أن عزرائيل ليس صاحب الصورة التي يرسمها لها الغرب كهيكل عظمي حامل لمنجل لحصد أرواح البشر. فعزرائيل هو في الحقيقة صورة للموظف المجتهد المظلوم... هو العمل المتواصل الذي لا يعرف راحة... هو الجراب الذي يحمل بداخله ما يلقي فيه من لعنات البشر. العلاقة بين الحكيم والموت كانت دوماً تحمل سر ما، فهي علاقة ممتدة منذ أن كان طفلاًًَ يصاب من حين لأخر بحمى تلزمه الفراش نحو ما يقرب من ثلاثة أيام عندما يقع بصره على جنازة مارة في الطريق، وعندما أدرك أهله هذا كانوا يحرصون على إبعاده عن مناظر الجنازات ولكن بقى سؤال في ذهنه عن ذكريات تلك الطفولة مع الموت وهو "ما هي العلاقة بين شيء خارجي كمنظر جنازة وإصابته السريعة بمرض داخل كالحمى؟ وعندما كبر وقرأ للشاعر "جوته" وجد إجابة في إحدى القصائد التي حكى فيها عن طفل تعلق فجأة بصدر أبيه ليحميه من صوت خفي يعرض عليه هدايا كثيرة ولعب وأزهار كي يذهب معه الطفل، وأعتقد الأب أن حديث طفله عبث أطفال ولم يهتم لكن ما إن بلغ الطفل عتبة البيت حتى فارق الحياة، وبتلك القصة يعتقد الحكيم أن ملك الموت لم يحاول إغرائه وإستدعاءه وهو طفل وإنما فقط إكتفى بأن يشعره بوجوده وهذا الإشعار كان وحده كافي لأن يقعده في الفراش محموماً عدة أيام. 
الروح هي الشيء الثابت بإعتقاد الحكيم أما الجسد فهو المتغير، فالإنسان يتغير جسده بتغير مراحل العمر والأشجار تتغير أوراقها بتغير الفصول وحتى ملابس الإنسان تتغير أيضاً بتغير العمر والزمن لكن الروح غير ذلك لا يطالها تغيير مع الزمان أو المكان... الحال متشابه مع الحضارة فمظاهرها المادية تتغير تبعاً للظروف وتغير المكان والزمان لكن روح الحضارة كالشمس تطلق مشاعر وإحساسات قبل أن تظهر وسائلها المادية فهي الإحساس الذي يجعل من الإنسان إنساناً. هناك مخاوف كانت تواجه الحكيم منها أن يحدث ويتغلب التلقين والحفظ في أمور الدين والدنيا على الفكر، بحيث يثقل الطلاب في المدارس بحفظ الآيات الدينية الطويلة الصعبة الفهم بالنسبة لحجم إدراكهم كصغار مما يؤتي بنتائج عكسية، وعلى رجال الدين أن يتسامحوا مع الأبحاث التي تتحدث عن الدين عن طريق العقل، فملكة العقل لا تنمو إلا بالتفكير الحر لذلك ليترك رجال الدين المفكرين يتحدثون كما يريدون فضجيجهم لن يصل خبره للقلب الذي يخفق رغماً عن كل هذا بالعقيدة. 
"إذا أردت أن تكتب اليوم من جديد "عودة الروح" و"عصفور من الشرق" و"أهل الكهف"... كيف تكتبها؟ سؤال وجه للحكيم في باريس ويبدو عليه كما ظن هو أنه سطحي المحتوى لا يهدف سوى للتسلية والفكاهة لكن هذا الظن لم يستمر طويلاًًَ برأس الحكيم فعندما خلا لذاته وتأمل السؤال أجاب مؤكداً أن إفتراض أن يعود لشبابه مرة أخرى ليكتب تلك الروايات من جديد أمر صعب فربما لو عاد للشباب لما حمل القلم بالأساس بل وقد يلجأ لحياة الترف عن حياة الصرامة، خاصة وأن صرامة الفكر لطالما كانت متعبة ومجهدة له لكن ذلك الترف كان حتماً سيرفضه طبعه الذي ولد به ذلك الطبع الذي أهله لرسالة القلم. 
سؤال العلم كما حدده الحكيم هو "كيف؟" أما سؤال الفلسفة فهو "لماذا؟" ففي العلم نسأل كيف نعيش؟ في حين أننا في الفلسفة نسأل "لماذا نعيش؟" وهذا السؤال "لماذا؟" يعد من خصائص الإنسان وحده وبغيره لا تقوم الإنسانية، فالحيوان حياته طعام وهواء وغاية الحياة سؤال لا يمكنه الإجابة عليه لقصور وجدانه والعلم هنا لا يمكنه أن يقدم إجابة للحيوان لعجز الآته ومعامل أبحاثه... ولهذا لابد للإنسان أن يشعل نور قلبه ويحرك عضلة عقله ليفتح له الطريق للدين والفن وكل مفردات العالم العلوي الذي لا يعرفه الحيوان ولو تحقق هذا ستكون الفلسفة مقترنة بذات الإنسان مما يجعلها تعيش مهما تقدم العلم لأن الإنسان طوال ما هو إنسان سوف يظل يسأل "لماذا؟". 
"ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان، ولكن إلى جانب طعام الفم لابد من طعام الوجدان" عبارة إستهل بها الحكيم الحديث عن "طعام الوجدان" موضحاً أن الإنسان في طفولته بعد أن يترك ثدي أمه يبدأ في الحبو مستخدماً يديه ورجليه ولكن ليس الطفل وحده هو الذي يلعب فصغار الحيوانات تلعب لمعرفة قدراتها العضلية لكن الطفل يفعل ذلك لكي يكتشف الأشياء من حوله، وهذا اللعب في الطفولة هو المنبع الأول للفن الذي يعرف على أنه نشاط ليس مقصده الأكل أو الشرب أو المنفعة المباشرة وإنما الإكتشاف للحياة عن طريق الوجدان. 
الوجدان يبقي نائم حتى يهزه الجمال والتناسق في الخلق وهذا يفتح الباب أمام الإنسان للبحث في قوانين الوجود، ويمكن للأم أن تقدم لطفلها ما ينمي وجدانه من خلال عمل فني جميل، المدرسة كذلك يمكنها تنمية وجدان تلاميذها من خلال تزيين الجدران بلوحات جميلة، الدولة عندما تزين ميادينها وحدائقها بروائع فن النحت إنما تدفع بعيون شعبها لأن تتصل دوماً بالجمال مما يجعل المواطنين يحمون بلادهم من التخريب، والدول الغربية الراقية يغذي قادتها شعوبهم وجدانياً من خلال الآثار الفنية الضخمة والجميلة في كل مكان حتى محطات القطار، مما يدفع بتلك الشعوب للحرص 
على نظافة شوارعها وميادينها العامة وعدم السماح لأحد بأن يخدش هذا الجمال. 

بقلم/  باسنت موسي

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2012

حجرتان وصالة





لم يسبق لي ان قرأت للكاتب ابراهيم أصلان.....و هذا قصور مني بالتأكيد...فهو علم من أعلام الأدب...و الحق يقال اني لم اكن حريصا تمام الحرص على القراءة له.....وقع في يدي مصادفة هذا الكتاب فقررت ان اقرأه.....فكان العشقعشقت كتابات هذا الرجل و قررت ان ابحث عن مؤلفاته و كتاباته و ان اتعقبه اينما كتب!!!(حجرتان و صالة) لا يمكن ان تصنفها رواية....و لا ايضا يمكن ان تصنف بالقصة القصيرة...انما هي كما وصفها مؤلفها ابراهيم اصلان هي (متتالية منزلية)!!!نوع جديد من الكتابات -لم يسبق لي ان قرأت هذا النوع من الكتابات- مواقف حياتية يومية منفصلة متصلة و ان كان بطلها واحد....(الأستاذ خليل) الموظف السابق المسن الذي يعيش بمفرده هو و زوجته (احسان) بمنزلهما ال (حجرتين و صالة) بعد زواج الولدين سليمان و اشرف .مواقف تحدث بين زوجين يعانيان من الوحدة و الفراغ ربما سترى فيهما والدك ووالدتك من خلال حواراتهما الطريفة و طريقة تحاورهما و مناقشاتهما بعد كل هذا العمر.ستتقلب مشاعرك و انت تقرأ هذه المتتالية المنزلية الرائعة بين الإبتسامة و الضحك لحد القهقهة الى ان تصل للشعور بالتعاسة و الرغبة في البكاء المرير بعد ان يفقد الأستاذ (خليل) رفيقة حياته و عمره (إحسان) ليعيش وحيدا في شقته ال (حجرتين و صالة) .....ستجد نفسك ترثي لحاله و هو ينسى براد الشاي على النار يغلي حتى يشم الجيران رائحة الدخان فيسارعوا لإنقاذه.....ستفاجأ انك اصبت بالنكد حزنا على شيخوخته و هو في منزله بمفرده يجتر الذكريات و الأحزان.ينتقل بطل هذه المتتالية المنزلية (الأستاذ خليل) لكي يعيش في شقة أخرى...شقته القديمة التي شهدت سنوات زواجه الأولى و هي للمصادفة ايضا مكونة من (حجرتين و صالة) لتظهر شخصيات جديدة اصدقائه القدامى و قد اصابهم العجز و الشيخوخة و جيرانه و حكايات غاية في التراجيديا عن بيوت كانت مليئة بالحب و الضحك و الذكريات الجميلة لينتهي بها الحال مليئة بالوحشة و الكأبة بعد ان فقد الحبيب حبيبه و الزوج زوجته.يبرع الكاتب في وصف كيف يمكن للفراغ و الوحدة ان تفعل برجل مسن كبطل الرواية و تجعله يتوهم اشياء لا اساس لها تصنع حالة من الطرافة و لكنها (طرافة مؤلمة)....كأن يتوهم مثلا ان احدى ساقيه أكثر طولا من الأخرى!!!و هو اعتقاد بالتأكيد لا اساس له من الصحة و لكن صنعته حالة الفراغ و الوحدة التي يعيش فيها البطل في شقته ال (حجرتين و صالة) بمفرده.في ثنايا هذه المتتالية المنزلية تلمح ما حدث من تغير لسلوكيات المجتمع المصري لنفسيات ابنائه.....لسلوكيات العائدين من بلاد النفط الوهابي (كأحد جيران بطل الرواية و زوجته)....لسلوكيات بعض الشخصيات الهامشية كبواب العمارة مثلا.حقا هو كتاب ممتع....نوع جديد من الكتابات (على الأقل بالنسبة لي) الا ان به من الإمتاع ما تتمنى ان تقرأ الكثير على شاكلة هذه المتتالية المنزلية الرائعةشكرا للكاتب الكبير الأستاذ/ابراهيم اصلان

منقول: http://kotobkteer.blogspot.com/2010/08/blog-post.html